حقيقة قصة السلطان عبد الحميد مع اليهودي قراصوه التي لا أساس لها

جاء في التمهيد في بداية  كتاب "أوهام الذات المقدسة السلطان عبد الحميد لمؤلفه المحامي علاء السيد:

عندما بدأت الحملة الممنهجة لتبييض صورة السلطان عبد الحميد عمدت بعض الكتابات العربية للترويج لقصة اليهود الدونمة ومحاولتهم شراء أجزاء من فلسطين ورفض السلطان عبد الحميد لذلك بطريقة بطولية مما دعا هؤلاء لخلعه، والغريب بالأمر أن هذه الكتابات في البداية لم تذكر إطلاقاً محاولة هرتزل مع السلطان عبد الحميد بخصوص القدس وهي القصة الأهم والأشهر حالياً، بل ذكرت قصة محاولة زعيم يهود سلانيك المدعو عمانوئيل قراصوه شراء أجزاء من فلسطين دون القدس ورفض السلطان ذلك، وبالتالي عاد قراصوه هذا ليبلغ السلطان قرار خلعه بتشف وانتقام.

هذه القصة مختلقة ولا أساس لها كما سنرى:

ذكر هذه القصة فخري البارودي في الجزء الأول من مذكراته الصادرة عام 1951م وقال: "أن قراصوه بصفته موفداً من "الجمعية العالمية الصهيونية" وصل عام 1900م للسلطان عن طريق شخص اسمه عارف بك، وأنه عرض على السلطان خمسة ملايين ليرة ذهبية هدية وقرضاً بقيمة عشرين مليوناً لقاء قطعة أرض ما بين غزة ويافا والبحر الميت، فرفض السلطان، ويتابع البارودي قائلاً أنه على أثر هذا الرفض شكل يهود الدونمة تنظيماً سرياً وانضموا لأحرار تركيا الذين كانوا قد شكلوا جمعية الاتحاد والترقي، ويذكر البارودي عبارة:

 "كان للدونمة  دور في خلع السلطان"، ثم أرسل أحرار تركيا النائب قراصوه لإبلاغ السلطان قرار خلعه، وهو برأي البارودي أمر مؤسف.

(انظر مذكرات البارودي، ج 1، ص 76.)

من الملاحظ أن فخري البارودي كان في الثالثة عشرة من عمره في عام 1900م زمن هذه الحادثة التي يرويها 
أي أنه قطعاً لم يشهدها وسمعها فقط، كما أنه لم يحدد في مذكراته مصدر هذه القصة ومرجعيتها.

وعاد محمد الفرحاني ليقول في مؤلفه "فارس الخوري أيام لا تنسى"  الذي صدر عام 1965م لذكر قصة قراصوه نقلاً عن البارودي، رغم تعارض هذه القصة مع قصة هرتزل فلا يعقل أن ترسل "اليهودية العالمية" مندوبين مختلفين بمشروعين مختلفين متعارضين في الأراضي المستهدفة وفي المبالغ المدفوعة.  

(انظر: فارس الخوري أيام لا تنسى، محمد الفرحاني، بيروت 1965م، ص 302.)

بعدها بحوالى أربع سنوات وفي عام 1969م نشر العراقي الاستاذ محمد مصطفى الهلالي مقالة في مجلة "الحج" بعنوان "السلطان عبد الحميد واليهود"  وعاد لذكر قصة قراصوه مع السلطان عبد الحميد ولكنه أضاف إليها بعض الأحداث والتفاصيل والشخصيات فذكر أن الأمر كان بحضور شخصين اثنين هما كمال بك وعارف بك دون تحديد من هما هذين الشخصين، على خلاف البارودي الذي ذكر أن اللقاء تم بوساطة شخص واحد اسمه عارف بك، كما ذكر الهلالي في مقاله أن قراصوه كان مندوباً عن "المحافل الماسونية" على خلاف البارودي الذي قال أنه كان مندوباً عن "الجمعية العالمية الصهيونية"، وقال الهلالي أنه عرض خمسة ملايين ليرة ذهبية كهدية، وأنه عرض أيضاً مائة مليون ليرة ذهبية على السلطان كقرض لخزينة الدولة، على خلاف رواية البارودي بأن القرض كان عشرين مليوناً، ولكن يبدو أن الهلالي في روايته المعدلة زاده حتى أضحى مائة مليون!!!

(انظر: مجلة الحج ، العدد الثالث، تا ذو الحجة 1388 هجري/ أذار 1969م. وانظر: السلطان عبد الحميد بين الإنصاف والجحود، محمد مصطفى الهلالي، دار الفكر، الطبعة الأولى 2004م، ص 81.)

وكان قد أفرد السلطان عبد الحميد في مذكراته فصلاً بعنوان "نوعية الذين أبلغوني بقرار إسقاطي عن العرش" 
ولم يشر الى أن قراصوه كيهودي راجعه سابقاً بخصوص فلسطين إطلاقاً، رغم انه استفاض في الشرح عن تاريخ أعضاء الوفد الذي بلغه قرار الخلع، ولم يشر إلى أي موقف من قراصوه لا سلباً ولا إيجاباً. 

(انظر: مذكرات السلطان عبد الحميد، ص 201.)

ثم نشر الأردني عبد الله التل  كتابه "الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام" الذي صدرت طبعته الأولى بعمان الأردن عام 1971م أورد فيه أن هرتزل برفقة عمانويل قراصوه والحاخام موشي ليوي التقوا السلطان عبد الحميد
 مرتين !!!! في سنتي 1901م و1902م  وطلبوا منه السماح لليهود باستيطان فلسطين على نطاق واسع مقابل كميات كبيرة من أموال اليهود!، فلقوا من السلطان الازدراء التام

(انظر: الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، عبد الله التل، المكتب الإسلامي بيروت، الطبعة الثانية ، ص 74 وما بعدها.)

وفي العام 1974م أصدر الشيخ الدمشقي عبد الرحمن حسن حبنكة  كتابه "مكايد يهودية عبر التاريخ"  وأورد فيه قصة قراصوه ومقابلته للسلطان بصفته مندوباً عن "الجمعية الماسونية" وقصة عرضه لمبلغ خمسة ملايين ليرة ذهبية هدية ومائة مليون ليرة كدين يسدد خلال مائة عام، وذلك لقاء امتيازات في فلسطين، ولكن السلطان طرده ونعته بالخنزير والسافل، وهنا أضاف الشيخ حبنكة تفصيل جديد لاحق للقصة جاء فيه :

أن قراصوه سافر بعدها لإيطاليا

وأرسل منها برقية للسلطان جاء فيها:

"أنت رفضت عرضنا وسيكلفك هذا الرفض أنت شخصياً ويكلف مملكتك كثيراً" ثم يتابع الشيخ حبنكة في كتابه فيقول بعد حادثة قراصوه وفي عام 1897م  أوفد اليهود هرتزل زعيم الحركة الصهيونية وقابل السلطان أي أن حادثة قراصوه المزعومة وفقاً للشيخ حبنكة جرت قبل عام 1897م وليست عام 1900م كما ذكرها البارودي لأول مرة في مذكراته!!.

طبعا دون أن يورد الشيخ حبنكة أي مرجعية للقصة الأصلية أو للإضافة اللاحقة هذه، 

(انظر: مكايد يهودية عبر التاريخ، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم دمشق- بيروت ، الطبعة الثانية 1978م، ص 273.)

قام الصحفي الأستاذ زياد أبو غنيمة  في عام 1983م بإصدار كتاب بعنوان  "جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك" أفرد فيه فصلاً عن السلطان عبد الحميد بصفته "مفترى عليه" وروى فيه رواية جديدة عن اليهودي قراصوه فقال: 

أن وفداً مؤلفاً من هرتزل وقراصوه والحاخام ليفي موشيه !!!

التقوا معاً السلطان عبد الحميد في عام 1901م !!وطلبوا منه السماح بهجرة اليهود لفلسطين إلا أنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، فعادوا ثلاثتهم بعد عام واحد للقائه وعرض هرتزل مبلغاً ضخماً من المال على السلطان الذي قام بطردهم جميعاً .

(انظر: جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك، زياد أبو غنيمة، دار الفرقان عمان، الطبعة الأولى 1983م، ص 44،45، 46.)

ثم قامت مؤسسة "الرسالة" اللبنانية في عام 1984م بنشر مسرحية ألفها التركي "نجيب فاضل قيصه كورك" وترجمها للعربية يوسف مجلي ونشرتها هذه الدار بعنوان "السلطان عبد الحميد خان الثاني واليهود"، أهم شخصيات هذه المسرحية تتلخص بشخصية السلطان عبد الحميد وشخصية ثانية أسماها مؤلف المسرحية "اليهودي العثماني" دون الإشارة لماهية أو اسم هذا اليهودي، وفي هذه "المسرحية" يعرض هذا اليهودي العثماني الذي يرافقه شخصان يهوديان أيضاً عروضاً مختلفة على السلطان عبد الحميد كاستعدادهم لإيفاء ديون الدولة لقاء قطعة من أرض فلسطين لإنشاء وطن يهودي عليها، فيرفض السلطان ملقياً خطبة مسرحية بليغة.

(انظر: السلطان عبد الحميد خان الثاني واليهود- مسرحية، نجيب فاضل قيصة كورك، ترجمة يوسف مجلي، مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة الأولى 1984م.)

وعلى الرغم أن هذا الحوار هو حوار مسرحي من خيال المؤلف سنجد أنه تم اعتماده لاحقاً كحوار جرى حقيقة، ويُستشهد به من قبل عدة مؤلفين لكتب عن عبد الحميد وعلاقته بفلسطين. ويعتبرون أن الحوار المسرحي المذكور هو حوار حقيقي جرى بين السلطان وقراصوه.

في كل الأحوال رواية عرض قراصوه مبالغ نقدية لقاء التنازل عن فلسطين لا مرجعيات لها، ويبدو أن هذه الرواية عن قراصوه غير دقيقة إطلاقاً.

بقلم : المحامي علاء السيد
طباعة