كتاب المسامير لمؤلفه عبد الله أفندي النديم

23-03-2020    3314 مشاهدة

في عز سطوة السلطان عبد الحميد كتب الصحفي الشهير عبد الله النديم كتابا يجهو به هجاء مقذعا مستخدما أبذء الأوصاف بحق الشيخ ابو الهدى الصيادي الذي كان من اقرب المقربين من السلطان.واسماه المسامير.

واستطاع نشره بمصر التي كانت تحت سلطة الخديوي ولم تكن للسلطة الاسمية للسلطان عبد الحميد تأثير فيها مباشر فيها.

أمر السلطان عبد الحميد بمصادرة النسخ وقيل أن من كان يقبض عليه وبحوذته الكتاب كان يتعرض للإعدام. وقلت عدد النسخ الأصلية للكتاب حتى بيعت الواحدة منها بليرة ذهبية في ذلك الوقت.

كتب  محمد الأسعد عن هذا الكتاب وعن كاتبه قائلا: 

قبل وفاته في عاصمة السلطنة العثمانية، وبين العامين 1893 و1896، كتب الصحافي والكاتب عبد الله النديم آخر كتبه، وسمّاه "المسامير"، وأعطاه لأحد أصدقائه، واستطاع هذا من جانبه الفرار به إلى مصر وطبعه، فخرج الكتابُ على شكل مقدمةٍ وتسعة أقسام، أو تسعة "مسامير" كما ارتأى صاحبه، أحدّ من المناشير في قوة تأثيرها حسب تعبيره. 

ومع أن الكتاب خلا من تاريخ طباعته، إلا أن من المرجح أن يكون تاريخها في أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، أي خلال سنواته الأخيرة في الآستانة.

عبد الله النديم (1842-1896)، الملقب بخطيب الثورة العرابية، لم يكن وجوده في عاصمة السلطنة مصادفة، بل جاء بعد سنوات من المطاردة تعرّض لها بعد إخفاق ثورة عرابي في العام 1882، والاحتلال البريطاني لمصر عسكرياً. 

قضى عشر سنواتٍ منها متخفّياً ومتنقلاً في الريف المصري، إلى أن ألقت القبض عليه سلطةٌ أصبحت في قبضة المحتلين وفي خدمتهم. 

ونفته إلى يافا في فلسطين للمرة الأولى، ثم للمرة الثانية بعد عودته إلى مصر، إلى الآستانة بأمر من السلطان العثماني، لأنه لم يتوقف عن مقاومة البريطانيين، والاتصال برجال الحركة الوطنية التي استعادت حيويتها، وإيقاظ الوعي، فأصدر صحيفة "الأستاذ"، مستعيداً بذلك الدور الذي قامت به صحيفته "التبكيت والتنكيت"، ثم "اللطائف" التي كانت لسان حال الثورة العرابية.

في الآستانة، وجنباً إلى جنب مع جمال الدين الأفغاني الذي قرّبه السلطان عبد الحميد للاستفادة من دعوته إلى الجامعة الإسلامية، عاش شأنه في ذلك شأن الأفغاني في قفص، ولكن قفصه الحديدي اختلف عن قفص الأفغاني الذهبي. ووجد نفسه عاطلاً عن فعل شيء مما اعتاد؛ لا مجال لخطابة ثورية، ولا كتابة وتهييج للأفكار، ولا إثارة حماس أحد لأي من القضايا الاجتماعية، التي كان أول كاتب يتناولها في ذلك العصر. وأصبح يعيش في وسطٍ يكاد يكون خانقاً، محاطاً بالجواسيس. وسط تُكبت فيه الحريات، ولا يجد فيه متنفساً إلا في مجلس يجمعه بصديقه القديم الأفغاني.

في هذا الجو ولدت فكرة كتابه "المسامير"، أو على الأقل ولدت فكرة كتاب ساخر، يهجو فيه هجاءً مقذعاً شخصية رجل برز في تلك السنوات، يدعى أبو الهدى الصيادي، كان ملحقاً بحاشية السلطان، امتد نفوذه إلى كل أرجاء السلطنة العثمانية، في السياسة والإدارة والجيش، واستطاع، كما يقول المؤرخ عبد المنعم الجميعي، البطش بكل صاحب رأي حر. 

ولأن الصيادي هذا كان يكره الأفغاني بسبب منزلته لدى السلطان، التقط النديم هذه الفرصة لاستخدام قدراته وأفكاره التي كبتتها سنوات ما بعد التخفي والهرب، ثم النفي بشرط أن لا يكتب شيئاً في الجرائد يخص سياسة مصر.

صدر كتاب النديم هذا مع عنوان فرعي يقول "رواية الشريف أبي هاشم عن الشيخ مدين أبي القاسم الشهير بالعارف بالله"، ثم: "تأليف فقيد الأدب والتحرير المرحوم السيد عبد الله أفندي النديم الإدريسي الشهير. 

اعتنى بطبعه الشريف ي.ن.هـ. م.". وتصدرت صفحته الأولى صورة لشخص بعمامة ولحية، وتحتها السطور المنظومة التالية:

هذا الذي كان قبل دخوله / دار السعادة مقرفاً شحاذا
واليوم صورته تبيّن أنه / أضحى بأقبح حيلة أستاذا

ثم تبدأ المقدمة هكذا: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المنتقم الجبار، القادر القهار، الخافض الرافع، الضار النافع... أما بعد، فقد ظهر الفساد في البر والبحر، وعم الشقاء بلاد الإسلام في هذا العصر، وحاق بأهلها العذاب، وتقطعت بهم الأسباب، واندكّ سور عظمتهم، وتفرّق ما اجتمع من كلمتهم، وتوالت عليهم البلايا، وفعلت فيهم ما لا تفعل المنايا، فذهبت أنفسهم حسرات، ولم تغن عنهم العبرات، حتى كادوا يمحون من صحائف الوجود، ويلحقون بعاد وثمود".

ويتبيّن القارئ، وهو يواصل قراءة هذا النمط من الكتابة الملتزمة بالسجع سطراً بعد سطر، أن المسمى أبو الهدى الصيادي هو الشخصية التي يمسك النديم بتلابيبها، وهي سبب الفساد والخراب. 

وينطلق، على رغم نفوذه وسطوته، في هجائه من دون أن يعبأ باحتمال أن ينتقم منه. 

فيرميه بمسمار بعد مسمار إلى أن يبلغ التسعة مسامير، وكلها خوض في سيرته وكشف عن دسائسه وتلفيقه التقارير المرفوعة للسلطان، والأكثر فضيحة اتخاذه الدين ستاراً لتنفيذ أغراضه، فأطلق عليه عدداً من الألقاب مثل "المسيح الدجال" و"أبو الضلال" و"ابن صائد"، وما إلى ذلك.

ولم تتوقف سيرة هذا الكتاب عند تهريبه، بعد أن اتصل أبو الهدى بالسلطان وأبلغه بأمره، وزعم أن النديم شمله أيضاً بهجائه، فتشدّد هذا في البحث عن الكتاب ومصادرته، وأرسل شرطته لتفتيش بيت النديم، ولكن لم يقع الكتاب في أيديهم.

بقلم المحامي علاء السيد

للحصول على النسخة النادرة من كتاب "المسامير" بصيغة pdf

ملاحظة :
الرجاء ذكر اسم الكتاب حين مراسلتنا عن طريق الفيس بوك.
شارك الموضوع مع اصدقائك !!
لمتابعة أحدث منشورات دار الوثائق الرقمية التاريخية على شبكات التواصل الاجتماعي :

مواضيع اخرى ضمن  كتب

ولد الشيخ الدكتور محمد معروف بن محمد رسول الدواليبي في حي البياضة في مدينة حلب، في 29/3/1909، في أسرة متواضعة،تلقى معروف الدواليبي التعليم الابتدائي في حلب
01-12-2021    207 مشاهدة
يقول مؤلف الكتاب فؤاد فضول وهو احد كبار الماسون العرب في كتابه "الماسونية خلاصة الحضارة الكنعانية"، في معرض دفاعه عن الماسونية،  نقلا عن جان ابي نعوم وهو ايضا من كبار الماسون
01-12-2021    500 مشاهدة
هو كتيب صغير في 17 صفحة عني الشيخ راغب الطباخ الحلبي باصداره في مطبعته العلمية بحلب عام 1344 هجرية وفيه إشارة إلى فضل العرب عن غيرهم من الاقوام .
لطلب الملف الرقمي من كتيب "القرب في فضل العرب"
22-09-2021    516 مشاهدة
في هذا الكتاب النادر يشرح الطبيب الشرعي الحلبي الدكتور توفيق عطار أصول الطب الشرعي هذا العلم الذي كان قد نشأ حديثا في النصف الاول من القرن العشرين
22-09-2021    444 مشاهدة
مؤلف الكتاب هو الشيخ محمد طاهر الكيالي رحمه الله.( العالم المحدث الفقيه اللغوي من علماء و أعلام بلاد الشام ) ( 1281 ـ 1363 هـ / 1864 ـ 1944 م )
22-09-2021    482 مشاهدة
يعتبر هذا الكتاب النادر الذي عني بنشره مؤرخ حلب الشيخ محمد راغب الطباخ في مطبعته العلمية بحلب عام 1929م من أهم الكتب التي تدل على التوجه الفكري العلمي الناشئ في حلب
22-09-2021    437 مشاهدة

أكثر الكتب مشاهدة

مكتبة الفيديو

أكثر الصور مشاهدة

أكثر المقالات قراءة

01-12-2021 586 مشاهدة
صباح فخري رمز أخير لـ "الإسلام الحلبي"

بوفاة صباح فخري، رحل آخر الرموز الحية للـ "الإسلام الحلبي". على الأرجح أن هذا المصطلح لم يُستخدم بعد، خاصة مع رواج مصطلح "الإسلام الشامي" الذي يشير إلى التدين المنفتح المعتدل في بلاد الشام  المزيد